إدارة السياسة الداخلية ( 2 / 3 )
تجديد النخبة وحدود التغيير في سورية
د. فولكر بيرتس: ورقة بحثية نشرت في كتاب ( الإصلاح في سورية بين السياسات الداخلية والتحديات الإقليمية والدولية ) - تحرير د.رضوان جودت زيادة - سنة النشر 2005-الناشر مركز الراية .
علامات الانفتاح:
أطلق وصول بشار الأسد إلى السلطة آمالاً عريضة بالتغيير، وبشار الأسد نفسه غذّى هذه الآمال عبر تصريحاته الأولى ومن خلال إجراءات عملية ذات مدلول رمزي كبير، وكذلك عبر ضخ دم جديد في النخبة السياسية والإدارية.
لقد اعتبر خطاب تنصيب الرئيس الجديد، من قبل قطاعات واسعة، على أنه إعلان نوايا إصلاحية، وخلق هذا الانطباع لدى المراقبين السوريين كما لدى الأجانب(11). و لكنه في الجوهر، ، لم يلزم نفسه بالإصلاح الديموقراطي، بل تكلّم عن "حاجتنا إلى تجربة ديموقراطية تخصُّنا". وأعلن الرئيس عن نيَّته في المضي على طريق الانفتاح واحترام القانون ومحاربة الهدر والفساد. وقد اتخذت إجراءات عملية كثيرة لتنفيذ هذا الخطاب. حيث أغلق سجن المزة العسكري، "البيت" المؤقت لأجيال من المعارضين السوريين. وجرى العفو عن 600 سجين سياسي من اتجاهات إسلامية ويسارية. كما لم تعتقل المخابرات أحداً من المثقفين ال99 الذين وقعوا على مذكرة نشرتها الصحافة اللبنانية تدعو السلطات إلى إطلاق سراح السجناء السياسيين ومنح الحريات السياسية. وعُلم عن الرئيس أنه، وإن لم يكن سعيداً بتناول هذه القضايا في الصحف الأجنبية،فإنه لا يعارض، من حيث المبدأ، التصريح عن هموم المواطنين(12). إن نشر المذكرة هو بحد ذاته علامة تغيُّر. لقد انكسرت "عقدة الخوف"، حسب تعبير الكاتب السوري عبد الرزاق عيد، التي طالما شلَّت المجتمع المدني السوري. إن باب الجدل السياسي لم ينفتح تماماً، ولكنه بات يضم آراء وأصوات كانت مهمَّشة حتى وقت قريب.
الطيف السياسي:
ثمة ثلاثة تيارات عريضة داخل نخبة النظام نفسها، صاغت الجدال وكان لها أثرها على التطورات السياسية في مستهل وصول بشار إلى السلطة.
-التيار الأول يمكن وصفه بالمحافظ. يريد أنصاره الحفاظ على النظام السياسي والنهج السياسي الداخلي والخارجي، كما كان في عهد الرئيس السابق. ويعترف هؤلاء بأن ثمة "إصلاحات" لازمة، ويؤمن ممثلو هذا التيار بالاستمرارية، و"الاستقرار" الذي يمكن أن يتعرض للخطر جراء الخطوات السريعة نحو اللبرلة الاقتصادية والسياسية. ويضم مؤيدو هذا التيار من بين ما يسمى الحرس القديم، نائب الرئيس عبد الحليم خدام، وبعض العناصر الشابة في النخبة، إضافة إلى بعض المثقفين والموظفين المدنيين في بيروقراطية الدولة الذين يدينون بمناصبهم إلى النظام والبعث.
-التيار الثاني "المحدثون"، الذي يشكل الرئيس بشار وفريقه نواته، وهو التيار المسيطر. يدرك أنصار هذا التيار أن السياسات والبنى في حاجة إلى إصلاح تدريجي إذا كانت سورية تريد البقاء في بيئة عالمية وإقليمية تنافسية على نحو متزايد. وهم يرون أن التغيير السياسي يُبنى في المحصلة على التحديث الاقتصادي والاجتماعي. وتضم القاعدة الاجتماعية لهذا التيار ليس فقط النخبة التكنوقراطية، بل أيضاً الأعضاء الجدد في الحزب والعناصر الشابة في البعث الذين يشعرون أن الجيل القديم أغلق الطريق أمام فرصهم المهنية.
-وهناك تيار ثالث إصلاحي- ديموقراطي منتشر وغير منظم يؤكد على الحاجة إلى تغيير جذري. وفي حين أن معظم أنصار هذا التيار على استعداد للتعاون مع الرئيس وإصلاحييه التكنوقراطيين، إلا أنهم يسعون في النهاية إلى إحداث تغيير في النظام. فمعظمهم يؤمن أن الإصلاح الاقتصادي أو الإداري لم يعد ممكناً دون إصلاح سياسي، مشددين على ضرورة تأسيس حكم القانون والتخلص من نظام الحزب الواحد. ويمثل هذا التيار، الذي أُضعف كثيراً بسبب محاكمة بعض قادته عام 2001، مثقفون ليبراليون مثل البروفسور في علم الاقتصاد عارف دليلة، والكاتب والصحفي ميشيل كيلو وآخرون من الموقعين على "بيان ال99"، وسياسيين مستقلين مثل رياض سيف. وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء على صلة مع بعضهم بعضاً أو أن يكون ثمة تنسيق فيما بينهم، أو أن يجمعهم تنظيم، هذا التيار استطاع أن يُشعر الآخرين بوجوده، ولكنه لم يكن، وليس هو الآن، تنظيماً يحمل أعضاؤه بطاقة العضوية.
ربيع (وخريف) في دمشق :
لقد أصبح مختلف ممثلي هذا التيار الإصلاحي الديموقراطي نواة ما سمي "حركة المجتمع المدني" التي انبثقت في غضون أسابيع من استلام بشار الرئاسة. وفي حين أن النشاطات البارزة تركزت

























